أبي الفرج الأصفهاني
398
الأغاني
إليه والنّاس قيام عليه . فقال يا بن أخي أخبرني كيف كان أمر الناس ؟ قال : لا شيء واللَّه ، إن كان إلَّا أن لقيناهم فأبحناهم أكتافنا يقتلون ويأسرون كيف شاؤوا . وأيم اللَّه مع ذلك ما لمت الناس ، لقينا رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والأرض ما تليق [ 1 ] شيئا ولا يقوم لها شيء . قال أبو رافع : فرفعت طنب الحجرة بيدي ، ثم قلت : تلك واللَّه الملائكة ! فرفع أبو لهب / يده فضرب وجهي ضربة شديدة . قال : فساورته فاحتملني فضرب بي الأرض ، ثم برك عليّ يضربني ، وكنت رجلا ضعيفا ؛ فقامت أمّ الفضل إلى عمود من عمد الحجرة فأخذته فضربته به ضربة ، فشجّت في رأسه / شجّة منكرة وقالت : أتستضعفه أن غاب عنه سيّده ! فقام مولَّيا ذليلا . فو اللَّه ما عاش فيها إلَّا سبع ليال حتى رماه اللَّه جلّ جلاله بالعدسة [ 2 ] فقتلته ؛ فلقد تركه ابناه ليلتين أو ثلاثا لا يدفنانه حتّى أنتن في بيته - وكانت قريش تتّقي العدسة كما يتّقى الطاعون - حتى قال لهما رجل من قريش ويحكما ! لا تستحييان أنّ أباكما قد أنتن في بيته لا تغيّبانه ! فقالا : نخشى هذه القرحة . قال : فانطلقا فأنا معكما . فما غسّلوه إلَّا قذفا بالماء عليه من بعيد ما يمسّونه ؛ فاحتملوه فدفنوه بأعلى مكة على جدار ، وقذفوا عليه الحجارة حتّى واروه . العباس بن عبد المطلب وتألم النبي لأسره : قال محمد بن إسحاق وحدّثني العبّاس بن عبد اللَّه بن معبد عن بعض أهله عن الحكم بن عتيبة عن ابن عبّاس قال : لمّا أمسى القوم من يوم بدر ، والأسارى محبوسون في الوثاق ، بات رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ساهرا أوّل ليلته . فقال له أصحابه : يا رسول اللَّه ، ما لك لا تنام ؟ فقال : « سمعت تضوّر العبّاس في وثاقه » ؛ فقاموا إلى العبّاس فأطلقوه ؛ فنام رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . قال ابن إسحاق وحدّثني الحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة عن ابن عبّاس قال : كان الذي أسر العبّاس أبو اليسر كعب بن عمرو أخو بني سلمة ، وكان رجلا مجموعا ، وكان العبّاس رجلا جسيما . فقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لأبي اليسر : / « كيف أسرت العبّاس يا أبا اليسر » ؟ فقال : يا رسول اللَّه ، أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ذلك ولا بعده ، هيئته كذا وكذا . فقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « لقد أعانك عليه ملك كريم » . طلب منه النبي الفداء وأخبره عن أمواله بمكة : قال ابن إسحاق عن الكلبيّ [ 3 ] عن أبي صالح عن ابن عبّاس : أنّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال للعبّاس بن عبد المطلب حين انتهي به إلى المدينة : « يا عبّاس افد نفسك ، وابن أخيك عقيل بن أبي طالب ، ونوفل بن الحارث ، وحليفك عتبة بن عمرو بن جحدم أخا بني الحارث بن فهر ؛ فإنك ذو مال » . فقال : يا رسول اللَّه ، إنّي كنت مسلما ولكنّ القوم استكرهوني . فقال : « اللَّه أعلم بإسلامك ، إن يكن ما
--> [ 1 ] ما تليق شيئا : ما تبقى على شيء ؛ يقال : هذا سيف لا يليق شيئا أي لا يمرّ بشيء إلا قطعه . وفي ب ، ح : « ما تلين » ؛ وهو تحريف . [ 2 ] العدسة : بثرة قاتلة تخرج بالبدر . [ 3 ] كذا في أكثر الأصول والطبري . وفي س : « عن ابن الكلبي » ، والذي يروي عنه ابن إسحاق ، كما في « الأنساب » للسمعاني ، هو محمد بن السائب الكلبي ، ومحمد هذا يسميه الرواة كثيرا « الكلبي » . وفي بعض الأحيان « ابن الكلبي » . وأما هشام ابنه فيعرف بالكلبي قولا واحدا ، ولم نعرف أن ابن إسحاق روى عنه .